المقريزي

198

المقفى الكبير

( قال إسحاق ) : فتناظرنا في الحديث ، فلم أر أعلم منه . ثمّ تناظرنا في الفقه فلم أر أفقه منه . ثمّ تناظرنا في القرآن فلم أر أقرأ منه . ثمّ تناظرنا في اللغة فوجدته بيت اللغة ، وما رأت عيناي مثله قطّ ، حتّى تمنّيت أن أكون سربا لبيانه في سرحه . ( قال ) : وخرجنا من عنده ، فالتفت إليّ أحمد وقال : يا أبا يعقوب ، كيف رأيت الرجل ؟ فقلت : راجحا وافرا ، زاد اللّه مثله في المسلمين ! [ شهادة أحمد بن حنبل ] وعن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : قال لي أبي : كنت أجالس محمّد بن إدريس الشافعيّ بمكّة ، فكنت أذاكره بأسماء الرجال . فقال : روينا عن عمر بن الخطّاب عن أهل المدينة عن فلان عن فلان عن فلان ، وفلان بن فلان - فلا يزال يسمّي رجلا رجلا ، وأسمّي له جماعة ، ويذكر هو عددا من أهل مكّة ، وأذكر أنا جماعة منهم - ( قال عبد اللّه ) : وكان أبي يصف الشافعيّ [ 155 أ ] فيطنب في وصفه ، وقد كتب أبي عنه حديثا صالحا ، وكتب من كتبه بخطّه بعد موته أحاديث عدّة ممّا سمعه من الشافعيّ . وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم : حدّثنا أبو عثمان الخوارزميّ فيما كتب إليّ ، وسمعت محمّد بن الفضل البزّاز قال : سمعت أبي يقول : حججت مع أحمد بن حنبل ، ونزلت في مكان واحد معه - يعني بمكّة - فخرج أبو عبد اللّه - يعني أحمد بن حنبل - باكرا ، وخرجت أنا بعده . فلمّا صلّيت الصبح درت المسجد فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة . فكنت أدوّر مجلسا مجلسا طلبا لأبي عبد اللّه حتّى وجدته عند شابّ إعرابيّ ، وعليه ثياب مصبوغة وعلى رأسه جمّة « 1 » . فزاحمت حتى قعدت عند أحمد بن حنبل ، فقلت : يا أبا عبد اللّه ، تركت ابن عيينة ، وعنده الزهريّ ، وعمرو بن دينار ، وزياد بن علاقة ، وما اللّه به عليم ! ؟ فقال لي : اسكت ! فإن فاتك حديث بعلوّ تجده بنزول لا يضرّك في دينك ولا في عقلك - أو قال : في فهمك - وإن فاتك عقل هذا الفتى ، أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة ! ما رأيت أحدا أفقه في كتاب اللّه من هذا الفتى القرشيّ ! قلت : من هذا ؟ قال : محمد بن إدريس الشافعيّ . وقال الربيع : سمعت الحميديّ يقول : قال لي أحمد بن حنبل : تعال حتّى أذهب بك إلى رجل لم تر عيناك مثله ! - فذهب بي إلى الشافعيّ . وعن الحميديّ : قلت لأحمد بن حنبل : الليلة يقعد سفيان بن عيينة . فقال : الليلة يقعد الشافعيّ . قلت : سفيان يفوت ، والشافعيّ لا يفوت . قال : الشافعيّ يفوت ، وسفيان لا يفوت . ( قال ) : فحضرنا مجلس الشافعيّ ، فلمّا قمنا قال : كيف رأيت ؟ قلت : أخطأ في ستّة أحاديث ! قال : سبحان اللّه ! رجل من قريش يقعد فيروي في مجلس واحد شبيها بمائتي حديث ، [ و ] تنكر أن يخطئ في ستّة أحاديث ؟ إيش هي ؟ قلت : حديث كذا وكذا . قال : هذا يرويه فلان . قلت : حديث كذا .

--> ( 1 ) الجمّة : مجتمع شعر الرأس . وانظر الخبر عند ابن أبي حاتم مناقب . . . 58 .